أوبــــُــــــــــــــورتــــــِــــــــــــــى

وهذه الكلمة  فى بلدتى “النوبة” مُرادفها : بقايا النّار ،، بقايا رماد ،
عندما يزرع المزارع فى الموسم الجديد فهو يبدأ بإزالة كل الزرع القديم ويقلّب الأرض ثمّ يقوم بعملية الحرث وكأنّه يجهّزها ويهيّئها لاستقبال الموسم الجديد .

فلا يمكن للمزارع أن يزرع على رماد من الماضى مهما كان الماضى ،

ولكنّ الإنسان لا يتعلّم من المزارع بل ويؤذى النّفس البشرية بمشاعر وأحاسيس الماضى المؤلمة، تُصبح النّفس وكأنّها تشتعل وعلى رماد أفكار الماضى يبنى خطواته الجديدة وبأفكارٍ جديدة ، يعظّم الماضى ويمجّده ثمّ يبنى عليه حياته دون أن يحرّر نفسه من الماضى المؤلم ، فتظلّ ترسّبات الماضى متراكمة على النّفس ، ثمّ يبنى خطواته المستقبلية ولكن رماد الماضى مازال موجود ،

وفجأة ،، مع أى هزّة ريح بملامسته لأىّ من تراكمات الماضى، يتعصّب وينفعل ويهيج ويشتاط وتظهر المشاعر السلبية المتراكمة على الفور،وتتألّم النّفس وتتتوجّع وتشتعل تحترق ،،،

وتشتعل النّفس البشرية بأحاسيس الألم وتحترق وتُصبح وكأنّها ،،،

بقايا رماد ،،
ولكن ،
الله تعالى لم يخلُق النّفس البشريّة لتشتعل بالأحاسيس المؤلمة وتحترق ، بل لتعيش على الفطرةّ وتتقدّم وتتطوّر وتشعر بالله ، وكيف تشعر النّفس بالله وهى محمّلة ومُثقلة بأعباء آلام الماضى ، أين مكان الله عندك وفى ذات الوقت نفسك محمّلة بأعباء الماضى،
إلى متى ستكون تلك المعاناة مع سجن الماضى ،إلى متى سيكون الماضى عائق أمامنا وكأنّه سد حصين مانع من التقدّم فى الحياة ،
ومن خلال ذلك تبدأ تلك المبررات المسمّاة بالعُكّازات النّفسية كما يلى :
*وأنا صغير حدث لى كذا وهذا مسيطرُ على نفسيّتى إلى الآن ،
* ظروف الماضى كانت مؤلمة على نفسى فبالتالى لا أستطيع التقدّم خطوة
* رأيتُ إضطهادًا من أهلى وهذا يؤثّر على نفسيّتى إلى الآن .

وتُصبح العُكّازات النّفسية وكأنّها مخدّر نفسىّ ، لدرجة أنّ بعض النّاس أدمنت وجع الماضى والخوف من مواجهة يومٍ جديد فارغ من الألم
ونفسُها تشتعل من الأحاسيس المؤلمة وتحترق وتُصبح وكأنّها،،
بقايا رماد ،،
ولكن ،على الجانب الآخر ، نجد عُظماء يقولون ،،
*أفتخر بأنّى رغم كلّ الظروف القاسية إجتهدت وحققت ثروة كبيرة ، وأصبحت من مشاهير العالم ،،
*أفتخر بأنّى مذ صغرى عانيت وحيدًا وبدأت من الصفر ونجحت بسبب إجتهادى ومبادئى  ،
*أفتخر بأنّى رغم الماضى المؤلم حققتُ مرادى فى الحياة وأصبحتُ أنا ،

وهؤلاء كان مبدأهم ، أنّ الشجاعة والقوّة ليست أن ينجح الإنسان حينما تكون الظروف جيّدة ، ولكنّ الشجاعة أنّ الإنسان لا يصير مُقعد ومشلول عندما تتحوّل الظروف بعكس إتجاهك ،،

إذن كلّنا لدينا خيارات للتغيير ، كلّنا عندنا مفتاح للتغير ،
كلّ العظماء فعّلوا مفتاح التغيير ، عن طريق كسر كلّ القيود والعوائق ،
ولأنّ النّفس فطرتها أنّها لابُدّ وأن تنطلق للأمام ، للإرتقاء والتقدّم والإنطلاق فى الحياة ،

_أخرج من سجن الماضى   وقم بعملية الحرث لاستقبال كلّ جديد بقوّة وأنت على أرضٍ صلبة .
فأنتَ مع الماضى وكأنّك تُسجن نفسك فى غرفة وباء ، غرفة ليس فيها إلا جراثيم الماضى ،
فلوّ تمسّكت بآلام الماضى لن تستطيع التفكير بطريقة مختلفة ، لن تستطيع التفكير فى أى أشياء جديدة ،

_ ولنتعلّم من عظمة سيدنا يوسُف عليه السلام ،،سيدنا يوسُف عليه السلام برغم آلام الماضى ،أصبح ملك على خزائن الأرض ،

فقد تعرّض للأذى الشديد من إخوته ومع ذلك لم تضعف عزيمته ، لم يفقد ملكيّة نفسه ولم يسجن نفسه فى أحزان الماضى المؤلم ، ولكنّه عاش فى قصر العزيز قوىّ الشخصية ، حكيم فى أفعاله ، مالك زمام تصرّفاته.

دخل السجن ، ولم تضعف عزيمته  بل وكان محطّ أنظار صاحبيه فى السجن بنُصحه لهم  ، لدرجة أنّهم إحتاجوا لحكمته وهو فى السجن ،
هو لم يندُب حظّه  ، ولم يكن مقيّدًا بأحزان وسلاسل الماضى ، لا ، بل كان حكيمًا وقام بمهمّة توعية صاحبيه فى السجن ، وكان يُعرّفهم بالله الواحد القهّار ،
_القرآن العظيم يحكى لنا هذه القصّة الرائعة ليقول لنا تعلّموا قوّة العزيمة والإرادة من سيدنا يوسُف ،لا تفقد هويّتك وعزيمتك وسط أذيّة الآخرين لك حتى ولو كانت الأذيّة من أقرب النّاس إليك،
تسلّح بالله القوىّ العزيز مثلما فعل سيدنا يوسُف ،ولا تفقد ملكيّة نفسك مهما فعل الآخرين معك وكن مثلما فعل سيدنا يوسُف وتسلّح بالله القادر ، الله الحفيظ ،

_النّفس البشرية كيان قوىّ وقادرُ بالفطرة على التقدّم يوميًا ،
فلو عشت مع آلام الماضى ، أين مكان الله فى قلبك إذن ؟ أين الله الحليم الرؤوف الودود ؟ أين المساحة فى قلبك لحب الله ؟ فحبك للآلام عندما تأخذ هذه المساحة الكبييييرة ،، أين حب الله ؟

_ سيدنا يوسُف كان على  إتصال دائم مع الله ، هو يعلمُ جيدًا أنّ الله معه فى كلّ موقف سواءٍ بالخير أو الشرّ ، وحتى فى مواقف الشرّ هو يعلمُ أن فى باطنه الخير ، هو إعتمد على نفسه لأنه على يقين بوجود الله معه ،
وعندما تكون غايتك الله ، غايتك العمل لله ، غايتك رضا الله فى الحياة بالتقدّم والعمل والإنجاز ، ستُذهل من عون الله لك ،ستتحوّل الظروف الصعبة إلى خطوة جديدة للنجاح ،ستجد اليُسر الموجود فى باطن العُسر،
الله خلق النّفس حُرّة ، فهى تستحق أن تعيش حُرّة وبلا آلام و أوجاع وجروح تتخللّ داخل خلاياك ، الله لم يخلق النّفس لتعش وكأنّها بقايا رماد،
_لا تسمح للمشاعر الإبليسية أن تتخلّل قلبك ، نعم ، فكلّ مشاعر الحزن والألم والضيق والضعف والكآبة هى مشاعر نابعة من وسوسة الشيطان ، إغلق الباب على الفور ، لأنّ العواطف وترسّبات المشاعر السلبية هى الثغرة التى يتسلل بها الشيطان إلى حياتنا حتى يدمّرها .
خطوة هدم ترسّبات الماضى هى أهمّ خطوة فى تنظيف الجسد  ، لأنّ أحداث الماضى المؤلمة تكون مغروسة فى أعماق النّفس والروح وكأنّها حقيبة بها أفكارك وانفعالاتك ، وإذا أُزيلت هذه الحقيبة ستعمل على البناء على أرضٍ صلبة ،
_توقّف عن مقارنة اليوم بالأمس ، ومقارنة هذه الفترة بالفترة السابقة من حياتك ، ومقارنة الآن بفترة الطفولة ، توقّف عن كلّ ذلك ،  أنظر إلى كلّ يومٍ على أنّه عالم جديد ، عش هى الحقيقة .
كى لا تعش فى الحياة ، وكأنّك بقايا رماد

_لا تتكلّم عن ذاتك القديمة وأفكارك ومواقفك ومشاعرك المؤلمة على أنّها حقيقية ، لأنّه فقط ذات اليوم هو الحقيقة ، أنت لست الذات التى كنت عليها عند ولادتك أو من خمس سنوات أو العام الماضى ، حتّى ذات الأمس هو وهم . فإذا كنت مقيّدًا بالمواقف المؤلمة ،تُصبح الصورة الذاتية الغير مرغوب فيها عالقة فى ذهنك ويُصبح العقل هو المتحكّم فى أفعالك بدلًا من العكس .

أنت لست كلّ هذا ،، أنت اليوم وفقط ،
حافظ على الفطرة وإحترم وقدّرنفسك التى هى خلقت فى الأصل لتعش مطمئنّة بالله وعش بها فى الحيـــاة على التغيير اليومىّ والتقدّم والإنجاز وتعلّم من القرآن الكريم وتصرّف فى الحياة مثلما فعل يوسُف عليه السلام ،

  • هل إستفدت من هذا المقال؟
  • نعم   لا

ما هو رأيك حول هذا الموضوع؟

شارك الطاهرة قلوبهم

هيا شاركنا وإنضم إلى أكبر شبكة وعي في الوطن العربي لتلتقي بأصدقاء تسعد الروح بوجودهم.

التعليق والحوار

لا تعليقات حتى الآن

الرابط المصغر لهذا المقال: http://abbrak.com/oIuzh