الحياة قصيرة فلنسعد بها

تلقيت أعظم درس في حياتي من حادث صادفته منذ عدة سنوات فقد كنت أعمل مع مجموعه في أحد الأماكن و فوجئت يوما بقوة  كبيرة تهجم علينا و بدا أنها أكبر عدد منـــا و سرعــان ما خفت إلينا هذه القوة الكبيرة للقضاء علينا فإضطررنا إلى إطفاء الأنوار و عطّلنا أجهزة التبريد و المكيفات رغبة في الإستخفاء و الوقاية و لم يمض دقائق حتى كانت أصوات الإنفجارات من حولنا في كل مكان

لم يكن في وسعنا عمل شيء  حيال هذا الإنقضاض الخاطف ، فأخذت أترقب الموت في كل لحظة وأخرى و مع أن الحرارة كانت قد إرتفعت حتى قاربت المائة نتيجة تعطيل الأجهزة و التبريد و كانت أسنانا تصطك و أطرافنا ترتعد و كأننا في درجة حرارة تحت الصفر

و إستمر الهجوم 15 ساعة مضت كأنّها خمسة عشر مليون عــــــــــام

كانت صور الماضي خلال هذه الساعات تتـــــتابع على اختلاف أنواعها و الوانها أمـــــــام عيني و هي تسرع تارة و تبطىء أخرى

ورايت بينها صور جميع ما إقترفته من مساوىء و شرور و آثام و صور أشياء سخيفة تافهة التي أقلقتني شهورا من قبل

كنت أعمل محاسبة باحد المكاتب قبل أن أغير عملي و لطالما ضقت ذرعا بطول الساعات التي كنت أقضيها في عمــلي بضآلــة الأجر الذي اتقاضاه دون أن يكون لي أمل في تحسين حــالتي و أشد ما كان يؤلمني حينذاك هو شعوري بالعجز عن شراء منزل او شراء سيارة جديدة .

و أشد ما كنت أكره رئيسي في العمل الذي كان يؤنبني لغير سبب ظاهر و يتهمني بالتقصير بمناسبة و بغير مناسبة

كنت أعود الى المنزل في اكثر الأمسيات حاقدة غاضبة ناقمة فاتشاجر مع من أجد في طريقي لأتفه الاسباب

كل هذه الصور السخيفة التافهة من حياتي الماضية مرت على ذهني و انــــــا أنتظر المــــوت .

بل قد تمثلت في عيني صور لما هو أسخف و اتفه منها فتذكرت مثلا إصابتي بأحد البثور في وجهي ضايقني بضعة  أيام و تذكرت جرحا بسيطا أصبت به في حادث سيارة .

بقدر ما كانت هذه الحوادث تبدو لي مزعجة منذ سنوات كنت آراها الآن على حقيقتها المجردة سخيفة و أصوات رائحة الموت تهدد في الخارج و تنذرني بالتأهب للإنتقال إلى العالم الآخر

و عاهدت نفسي إن كتبت لي النجاة و رؤية نور الشمس آلا أهتم بشيء من التوافه التي يتعرض لها كل امرء في حياته اليومية.

فلمّا نجوت بعد يأس ………..لــــــــم أنس ذلك العهد و أخذت به نفسي فأستفدت من ذلك إلى حد كبير.

والحـــــــــق أنني تــعلمّت من دروس الحياة في تلك الساعات الرهيبة المليئة بالرعب و الخوف أكثر ممّا تعلمته من دراساتي الجامعية و من كل مطالعاتـــــي و تجاربي .

الواقــــــــــــع أنّنا كثيرا ما نواجه المصائب الكبيرة في الحياة بشجاعه غير طبيعية و صمود إستثنائي و لكنّـــنا ندع أنفسنا للتوافه و الصغائر تحطم أعصابنا و تنغص عيشنا .

في الأشهر الأولى من عملي كنت أظل ساعات ثائرة غاضبة و حزينة لأن العامل لم يحسن القيام بعمله أو أن توقعاتي في العمل لم تكلل بنجاح او ان الرئيس عارض خطتي التنفيذية اما الان فإذا حدث شيء من هذا فإنّني أهز كتفي و اقول لنفسي التي تحثني على الثورة و الغضب : كلا لن اثور و لن اغضب فمن الحمق ان ارهق اعصابي و انغص حياتي بسبب شىء تافه.وكل ما علي فعله هو ان انبه العامل او الرئيس لخطأه في هدوء .

وقد دعيت مرة إلى تناول العشاء عند صديق لنا و حدث ان اخطأ الطاهي و هو يساعد في ترتيب المائدة و لم الاحظ انا ذلك الخطا و ما كنت أعبا به لو أنّني لاحظته و لكن ربة البيت ثارت ثائرتها ،و إنفجرت تسب الطاهي و تلعنه بطريقة أثارت إشمئزازنا و الحق أنّني كنت أفضل أن آكل خبزا بلا آدام في الهدوء ة الصفاء على أن اتناول اشهى الأطباق و سط هذا الجو الصاخب المثير و حدث ان دعوت بعض الاصدقاء الى العشاء و قبل ان نجلس الى المائدة لاحظت ان بين المناشف ثلاثا لا يتفق مع لون الغطاء فسارعت الى الطاهي فاخبرني ان المناشف الثلاث  ارسلت خطا الى الكواء و لا وقت لاحضارها .

لقد إغروقت عيناي حينئذ بالدموع و كدت ان استسلم لنوبات طاغية من الحزن و الثورة على الطاهي و أفقد سلامي الداخلي  لولا أنني رجعت لنفسي فرايت ان الخير في أدع الغلطة التافهة تمضي بسلام  و أن أعود للضيوف باسمة الوجه منشرحة الصدر و أن يتهمونني بالإهمال أو التقصير خير من أن يتهمونني بالحمق و سوء الخلق .

و من الأقوال التي خلدها التاريخ قول المتنبي في مدح سيف الدولة

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ
وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ

عبارة أعانتني على أن أجتاز ظروف مؤلمة ـ فنحن غالبا ما نسمح لأنفسنا أن نثور و نتضايق لأسباب تافهة كان ينبغي أن ننساها و لا نعلق عليها أهمية كبيرة و مهما طال بنا العمر فهو قصير و مع ذلك نضيعه في الاسى و نقضي ساعات طوال في التفكير و الاسف على اشياء تافهة لاشك أننا سننساها مع مرور الزمن .

أليس من الخير أن نستبدل تفكيرنا الساذج و نكرس أوقاتنا القصيرة لأداء أعمال جليلة و إنتاج آثار خالدة  لبناء الأجيال الصاعدة و التفكير بأشياء  مفيدة او مسلية و انتهاج اسلوب الحياة السعيدة و الطيبة التي تساعد على بناء الانسان بدل هدمه و تدميره .

ألسنا جميعا هكذا …؟ نقاوم الأعاصير الثائرة، ثم ندع قلوبنا للهموم الصغيرة تحطمها …؟

إحرص أن تحطم الهم قبل أن يحطمك، إحرص على ألا تتضايق من التـــوافه و تــعلق عليها أهمية كبيرة و تذكر دائما أن الحياة أقصر من أن يهتـــم  المرء فيهــــا بالتـــــوافه .

 

Image de city, hipster, and glasses

  • هل إستفدت من هذا المقال؟
  • نعم   لا

ما هو رأيك حول هذا الموضوع؟

شارك الطاهرة قلوبهم

هيا شاركنا وإنضم إلى أكبر شبكة وعي في الوطن العربي لتلتقي بأصدقاء تسعد الروح بوجودهم.

التعليق والحوار

لا تعليقات حتى الآن

الرابط المصغر لهذا المقال: http://abbrak.com/cwzwnp