شبكة أبرك للسلام

ثمرة من الوعي

نحن كبشر وإن كانت تجاربنا مختلفة في الحياة إلا أننا نتعرض لمطبات وعثرات متشابهة، قد يقف عندها بعضنا لفترات طويلة أو ربما يحملوها على ظهورهم مدّعين تجاوزها وهم يعيشون بها وتعيش بهم إلى أمد طويل. والقلة من الناس من يستطيع مواجهة ذاته ويعترف بضعفه ومن ثم يشرع بالعلاج. ولعلّ أكثر العثرات والآلام شيوعاً هي الآلام العاطفية والتجارب الخاطئة التي من الممكن أن تكون رياحها عاتية مدمّرة لا تتركنا إلا وقد أخذت معها أجزاءً كبيرةً من ذواتنا فتمر بنا وترحل تاركةً إيانا نواجه نقصاً عظيماً لا ندري كيف نرممه أو نحتويه!

ومع الرغبة بالشفاء والمضيّ قدماً في الحياة تنكشف الطرق والأساليب المتنوعة التي قد تثمر أو تخيب. ومن أسرع الطرق وأبلغها أثراً لتجاوز الأزمات العاطفية والدخول في مرحلة النسيان التي قد يستغرق الناس العاديون سنوات حتى يبلغوها هذا وإن وصلوا إليها أصلاً، هي رفع الوعي.

نحن نقابل ونعجب بل ونحب وندخل في علاقات عاطفية مع أناس متقاربين جداً معنا من حيث درجة الوعي حتى وإن كانوا مختلفين ظاهرياً من حيث الشخصية والصفات والبيئة الاجتماعية والفكرية. وحتى وإن كنا نعتقد أننا نقيضين لا يجمعنا شيء، فنحن موجودون ضمن دائرة تردد واحدة ولذلك انجذبنا في المقام الأول.

وما إن يحصل الانفصال تحت أي سبب كان أو ذريعة، نظل مرتبطين في أحيان كثيرة مع المحبوب بحبال غير مرئية تتخذ أشكالاً عديدة فبعضها ذكريات مؤلمة تحتل وتستوطن تفكيرنا وأحياناً روابط مادية كالمكان والرائحة والصوت وقد تكون العلاقة أكثر عمقاً عند بعض الناس فتتجسد بطيف المحبوب المخترق للزمان والمكان وبذلك تكون الأمرّ والأكثر ألماً.

وهذا الألم بدوره يسرق طاقة الإنسان ويستنزفها، فترى صاحبه حاضراً جسداً أما ما تبقى منه فهو غائب عن اللحظة ومشتت وهائم على نفسه ومجهول الإقامة والوجهة. وبعض المتأزمين عاطفياً يعتزلون الحياة ويصومون عن الحب ويصادقون الحزن والخيبة لفترات قد تكون أبدية!

وكل ما يبدأ بفكرة ينتهي أيضاً بفكرة وإن كنتُ لست بصدد الحديث عن أهمية الأفكار وقابليتها للخضوع والائتمار بأمر صاحبها إذا ما أراد السيطرة على حياته، ولكنني خصصت هذا الحيّز البسيط للتحدث عن دور الوعي في علاج الاعتلالات والأمراض العاطفية وآثارها.

فإذا ما كان سبب اجتماع المحبوبين هو تقابل وتناسب مستوى وعيهما في تلك المرحلة فبعد الانفصال ما على الراغب بالتعافي والنسيان إلا أن يصعد إلى درجات أعلى على سلم الوعي وذلك يكون بطرق عديدة ومتفاوتة الصعوبة ولعلّ أسهلها هو السفر. وأعني به تغيير مكان الإقامة جسدياً وروحياً والاطلاع على ثقافات أخرى والتعرّف على أشخاص من خلفيات وجنسيات متنوعة والتعرّض لتجارب غريبة لا تشبهه ولا يشبهها. وبعد فترة قصيرة قد تتراوح بين عدة أشهر وسنة واحدة تبعاً لكمية ونوع التجارب الجديدة، يجد الإنسان نفسه قد تغير واكتسب مفاهيم مختلفة وربما عادات وسلوك جديد وبالتالي ارتفع وعيه ولو لجزء بسيط جداً وهذا الجزء كافٍ لأن يبعده عن دائرة التردد القديمة التي كان ينظر من خلالها إلى المحبوب بعين القريب. وما إن تختفي الألفة حتى تذهب معها كل المشاعر ويحل مكانها غربة واستغراب تتسع كلما كبرت الفجوة وزاد عمقها. وفي هذا المعنى قصة عميقة تجسدها بطلتها الكاتبة اليزابيث جيلبرت في روايتها طعام، صلاة، حب. حيث تروي قصتها التي بدأت بالخوف والاكتئاب والمشاعر والأفكار المغلوطة وسارت باتجاه علاقات خاطئة وأزمات عاطفية لتنتهي بعد عدة أشهر من السفر بارتفاع الوعي والشفاء إضافة إلى التوازن والاقتراب من الذات.

لكل مريض عاطفياً أنصحك باتباع الطريق ذاته وإعادة تجربة الكاتبة التي تمحورت حول السفر والتأمل. وفي رحلتك تلك، لا تنسى أن تبحر نحو أعماقك لتكتشف الحكمة والدرس الذي ما كان بإمكانك أن تعيه إلا من خلال هذه العلاقة الفاشلة. تقبله واستوعبه واعمل على إصلاح ذاتك على ضوئه، ثم تابع طريقك وامضِ نحو الأمام خفيفاً من أحمالك، واثق الخُطا ومتفائلاً بالعوض الجميل، وإذا ما أتاك الماضي متوسّلاً لوّح له بالسلام وتقدم بإشراق الابتسامة نحو الأمام.

وتذكر .. لن تتوقف الحياة على أشياء خذلتنا، فدائماً يعوضنا الله بما هو أجمل.

 



أحصل على ١٠٠ نقطة عن كل صديق يسجل بإستخدام الرابط التالي
https://abbrak.com/?mref=


نبذة عن الكاتب: Ma-Judy ** مستثمر متفاعل

هويتي إنسان، وأنتمي إلى الحرية والجمال ...

الرابط المصغر لهذا المقال: https://abbrak.com/pbdfcy

اترك تعليقاً

المساعدة