شبكة أبرك للسلام

ديموقراطية المصاحف

هل سألت نفسك هذا السؤال؟ لماذا تتوفر نسخ المصحف (القرآن الكريم ) في كل مكان؟ ربما تعتقد أنه لتسهيل حياة الناس أو أحد ثمار الحضارة الحديثة أو قد تقع في الإعتقاد الأكثر شناعة وهو أنه نتيجة لكثرة المؤمنين. ستكون على خطأ. في السابق كانت الدين حكرا على رجال الدين والرهبان على إختلاف دياناتهم. كانوا يخفون الكتب على الناس ويخبرونهم فقط بما يظنون أنه يساعدهم ولم يخل الأمر من إستغلال للمعرفة الغائبة عن الناس. كان رجل الدين أو الكاهن هو الوحيد الذي يعرف خفايا التشريع وقضايا اللاهوت فكان يقول للناس ما يخدم أغراضه أو أغراض السلطان بشكل أدق.

لقد عاب القرآن على رهبان يهود هذا الأمر: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ

في الإسلام كان العكس إذ إنتشرت المصاحف في كل مكان وأرسل القراء يعلمون الناس دينهم في كل بقعة وصل إليها النفوذ الإسلامي، ولم يكن هناك رجال دين بالمعنى الذي نراه هذة الأيام أو ما سبقها من فترات الدولة الإسلامية التي تحولت إلى ملك وسلطان يفرض التفسير على الناس. في بدايات الدعوة كان الناس يتداولون القران مشافهة ومن خلال المصاحف على قلتها فكان الدين معروفا للجميع وفي الحالات القصوى هناك القضاة الذين يحكمون بين الناس في خلافاتهم.

مع مرور الوقت وكسل الناس عن القيام بدورهم برزت فئة تبلورت لاحقا فيما يعرف الآن برجال الدين ورغم أنهم ينفون هذا المنصب لكن الواضح أن هناك طبقة تعتبر نفسها وصية على الدين وهي الوحيدة القادرة على فهم النص القرآني وهي الوحيدة التي يحق لها تفسير آياته وأي محاولة للفهم أو التفسير من قبل بقية المسلمين تعتبر لاغية ولا قيمة لها. هذا جعل الدين للخاصة وأبعده عن عامة الناس وهم في أمس الحاجة إليه. فصار الوضع شبيها بما كان لدى اليهود. المصاحف في كل مكان ولكن التفسير تملكه قلة قليلة ممن يعتبرون رجال دين موثوقين، وبهذا عدنا لما حاربه الإسلام أساسا من إخفاء للعلم.

المفروض أن هذة المصاحف المنتشرة في كل مكان تشكل القاعدة المشتركة والمعترف بها من قبل الجميع وأن يحق لأي مسلم يملك مصحفا أن يتدبر الآيات ويناقش فيها ويطرح أفكاره حولها دون أن يعترضه رجال الدين أو يهددونه في أمنه أو يسفهون رأيه أو يعتدون على كرامته. فإنتشار المصاحف في كل مكان هو إنتشار للقانون الإسلامي الذي يحق لكل مسلم العودة إليه عند الحاجة وبه يحاج الآخرين. هذة عملية ديموقراطية متقدمة وفرها الإسلام للجميع ولكنها فقدت جوهرها عندما تحول المصحف إلى مجرد آيات تقرأ في الصلاة أو للشعور بالطمئنينة. لم يتم إستخدام المصاحف كما يجب كأداة رقابية تكفل للجميع معرفة دينهم وبما لديهم من نص مكتوب يتحدون سلطة المفسرين. كان هذا سيحدث ثورة فكرية عظيمة لو تم الأخذ به منذ البداية. للأسف ورغم إمتلاكنا لآلية التقدم فإننا عطلناها عندما إحتكرنا العمل بها على فئة قليلة من الناس.

على كثرة المصاحف وكثرة القراء وكثرة العقول التي تتدبر إلا أن التفسير السائد والمعتمد شرعا هو الذي أقره نفر قليل من المسلمين إعتقد الناس أنهم يمثلون ذروة الفكر الإسلامي. بهذا خسرنا أكثر مما إستفدنا من إنتشار المصاحف، فمازال منطق رهبان يهود الذين جعلوا الكتاب قراطيس يبدونها ويخفونها، هو السائد والمهيمن على الفكر الإسلامي. هكذا هو حال المسلمين، يملكون الأداة ولكنهم آخر من يستفيد منها.



أحصل على ١٠٠ نقطة عن كل صديق يسجل بإستخدام الرابط التالي
https://abbrak.com/?mref=


  • هل إستفدت من هذا المقال؟
  • نعم   لا
نبذة عن الكاتب: عارف الدوسري المدير

مؤسس شبكة أبرك للسلام وكاتب ومفكر عربي مهتم بعلوم تطوير الذات وتنمية المجتمع

الرابط المصغر لهذا المقال: https://abbrak.com/zkfbfn

12 رد على “ديموقراطية المصاحف”

  • المفروض أن إنتشار المصاحف يمثل أداة رقابية على من يطلقون على أنفسهم رجال دين. هذا قانون المسلمين مطبوع ومتوفر للجميع من مسلمين وغيرهم ليكون حجة على رجال الدين إن هم فكروا في تأويل الآيات بمزاجهم حيث يوجد ملايين المسلمين الذين يمكنهم بكل سهولة دحض التأويلات الشاذة أو المتطرفة.

    • معرفة التاريخ والأحداث أو ما يسمى بأسباب النزول هذا من التأويل أيضا. في حادثة الإفك مثلا فيها قانون واضح ( ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات في أنفسهم خيرا ) هذا قانون واضح يعني أنه لا يجب أن يصدق الناس الكلام الذي يطعن في شرف ونزاهة المؤمنين ولا أن يشاركوا في نشر الشائعات. ما حدث أن المفسرين تركوا القانون وصبوا كل تركيزهم على الدفاع عن السيدة عائشة رضى الله عنها فصارت الآيات لا تعني إلا الدفاع عن أم المؤمنين.
      الله قد دافع عنها في السابقين وحسم الأمروما بقي لنا من الحادثة هو القانون الذي نستفيد منه في كل زمان.

      لقد إحتقر رجال الدين عموم المسلمين وحولوهم إلى أتباع وكان الأفضل أن يسمح بنقاش النصوص نقاش حر بلا سخرية أو إستصغار أو تهديد وهذا ما كان سينتج فكرا متقدما جدا متماشي مع الخطوط العامة للنص القرآني وقابل للتأقلم والتكيف مع المتغيرات وإلا ما فائدة إطلاق مقولة أن القرا٫ صاح لكل زمان رمكان؟

  • والأدهى من كل هذا يظنون انهم معصومون من الخطأ لأنهم اجتهدوا ولهم أجر اجتهادهم…..استاذ عارف إذن من سيقوم بتفسير كل تلك القوانين؟ …”فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون” من سيفسر الدين في هذه الحالة…..كل واحد بمزاجه؟….

    • نعم دكتورة عزة، ذلك كان زمانهم وأسلوب تفكيرهم وربما كانت التفاسير متماشية مع مفهومهم للحياة. من المفروض أن تتطور الحياة وهذا هو سبب نزول القرآن ليطور الحياة، ومعه نحن نتطور ونفهم النص القرآني بما يتماشى والتطور الفكري والنمو الروحي الذي وصلنا إليه.

  • مقال رائع، كعادتك استاذ عارف، من خلال حصر فهم الدين والتفاسير من خلال رجال الدين، ضيع المسلمون عبادة مهمة، تكاد تكون أهم العبادات في تطوير انفسهم روحيا وايمانيا ألا وهي تدبر القرآن، لا تجد نصا يحض المسلم على حفظ القرآن أو قراءة لمجرد القراءة إنما تجد آيات كثيرة تحث الانسان على تدبر القرآن وفهم معانيه

  • السلام عليكم …..استاذ عارف لك جميل الشكر والعرفان على هذه البيئة الايجابية التى سمحت لنا بالتشافي والتطور و على كل مجهوداتك نفعك الله بها ونفع الناس بك …….اما مشاركتي بخصوص الموضوع فالاسلام منهج جديد ومتجدد وأكبر ما عانى منه في بداياته الانفتاح والقبول من الناس خوفا من التغييرواتباع السلف والان هو مجرد موروث محتكر على رجال الدين العرب خشية من التغيير ايضا….وعلى سبيل المثال لا الحصر عندما فتح أ.احمد عمارة موضوع افطار الحائض في رمضان و اتمام الصيام لليل لم يلقى صدى ايجابي رغم كل مسانده من القران والسنة واكتفينا بنفسيرات السلف منذ اكثر من الف سنة فغالبية المساند من علماء غير عرب “محمد ابن إسماعيل البخاري، مسلم ابن حجاج النيسابوري، ابن عيسى الترمذي، النسائي، ابن ماجة القزويني، أبو داوود ليأتي في المرتبة السابعة عالم عربي مع اختلاف العلماء في ذلك مسند احمد ابن حنبل…..نحن امة ضحكت من جهلها الامم,نعاني من كل العقد النفسية و الوساوس القهرية………

اترك تعليقاً

المساعدة