الوضع الصامت

يمر الإنسان بمواقف أحيانا تجبره على أن يتخذ الوضع الصامت وهذة حالة يعرفها المتقدمون في الوعي لأنه وضع لم يتعود عليه البشر. كبشر نحن معتادون على إبداء آرائنا وإتخاذ مواقف معينة على حسب الظرف الذي نمر به. تعترينا أفكار تلحقها أفكار وتتماوج فينا مشاعر من تحتها محيطات من المشاعر المدفونة والغير مفهومة حتى لنا. في كل موقف وفي كل ظرف نحن نعبر عن شيء حتى وإن كان الشعور بلا شيء. لا يعجبنا أن لا نشعر وأن لا نفكر وأن لا شيء يحدث وهذا بحد ذاته حدث. وعلى هذا الأساس يبقى الإنسان يعيش شعورا محيرا يفسد عليه كل حياته ويبدو أنه لا ينتهي ولا يتوقف لوهلة لنلتقط أنفاسنا.

هذا لا شيء بالمقارنة بالإنسان الذي تعرض لخيانة أو ما إعتقد أنه خيانة أو فقد صديقا عزيزا لخلاف أو خسر في تجارة لوجود منافس أو مفسد. في هذة الحالة يقضي الإنسان معظم أيامه في إجترار الماضي ويصارع من أجل التخلص من ذلك الشعور المسيطر عليه بالكامل. يبدو أنه ليس أمام الإنسان إلا أن يعيش المعاناة إلى الأبد. لكن هل هذا كل ما نستطيعه؟ لا أعتقد ذلك. ففي يد الإنسان الكثير مما يستطيع القيام به للتخلص من جميع أنواع المشاعر السلبية والأفكار المحبطة. الأمثلة كثيرة منها الهوبونوبونو وتقنية الحرية النفسية والسيدونا وغيرها الكثير من الطرق حتى أن كل إنسان يستطيع إختراع طريقته للخاصة للتعامل مع الذكريات المؤلمة والتخلص منها. الغير واعي قد يلجأ إلى الإنكار أو الوهم أو إختلاق قصة إنتصار وهمية أو قد يمني نفسه بالفوز في الآخرة. كلها طرق تخفف عن الإنسان شيئا من ذلك الحمل الثقيل، لكن يبقى شيء في النفس.

أحيانا ومهما بلغنا من الوعي ومهما إستخدمنا من الطرق يرفض الألم مفارقتنا وتبقى الذكريات والأفكار السلبية تطل برأسها من نوافذ العقل وشرفات الروح ويبدو الأمر مستحيلا وهنا يستسلم الإنسان ويفقد الأمل في إحراز أي تقدم على تلك المشاعر والأفكار. إن كنت في مثل هذا الوضع لا تيأس، فلربما هناك طريقة يمكنك بها تخطي الألم. إنه التسامي، التسامي فوق الألم وفوق الذكريات والإنغماس الكامل في الحالة الإلهية بحيث تقرر أن تقطع كل صلاتك بالمشاعر والأفكار بدون سبب وبدون مقدمات أو إستعدادات. فقط تقرر وتتسامى. حينها تدخل في ما أسميه الوضع الصامت. إنها منطقة فارغة من الشعور لا يحدث فيها شيء. لا شيء تماما.

الآن إنقل هذة الحالة إلى تلك الذكريات التي لا تريد أن تتزحزح. إنسى من ظلمك أو خانك. لا تربطه بأي شيء. لا تربطه بالماضي ولا بالحاضر، لا توجد خيانة، لا توجد صداقة، لم يحدث شيء. هو فقط كائن موجود. كائن غريب عنك تماما. لم تعرفه ولم تقابله في يوم من الأيام. إمنحه حق الوجود في الحياة كشيء. فقط شيء لا علاقة لك به. هنا حيث يفشل أكثر الناس. لا يستطيعون البقاء في الوضع الصامت مدة طويلة. يقاومون بشدة، يرفضون فكرة الوضع الصامت، يريدون أحداث، يريدون نهايات، يريدون معرفة أن الطرف الآخر أصيب بمكروه أو تحسن وضعه أو هداه الله أو أي شيء، المهم أن يكون هناك حدث ملموس يستطيعون إعتباره النهاية.

حسنا، هناك أوقات لا نستطيع فيها عمل أي شيء أو أن المردود من العمل أو الخبر ليس ذي بال. تعلّم أن تدخل منطقة الصمت، تقبل أن تنتهي الأشياء والأحداث والذكريات بطريقة لا منطقية. تخلص من المنطق تماما وأضغط زر الصامت. حينها فقط ستتجدد خلايا جسدك وترتاح نفسك وتهدأ إنفعالاتك وسترتفع بوعيك إلى مقامات لم تتوقع أنك تستطيعها. إمنح الكون بعض الوقت وسترى أن الأمر لا يستحق كل ذلك العناء وكل ما قاتلت من أجله ليس إلا سراب. إهدأ، خذ نفس عميق وتسامى فوق كل شيء. أنت الآن في الوضع الصامت.



أحصل على ١٠٠ نقطة عن كل صديق يسجل بإستخدام الرابط التالي
https://abbrak.com/?mref=


نبذة عن الكاتب: عارف الدوسري المدير
مؤسس شبكة أبرك للسلام وكاتب ومفكر عربي مهتم بعلوم تطوير الذات وتنمية المجتمع
الرابط المصغر لهذا المقال: https://abbrak.com/ulpoqp

اترك تعليقاً