“فرصة” منتصف العمر

أغلبنا عندما يشعر بالتوتر يذهب إلى الثلاجة، أو يأكل الشوكولاتة، أو غيرها من التصرفات التي نحاول من خلالها تخفيف الانزعاج الذي نشعر به من خلال القيام بعمل أخر لا علاقة له بسبب التوتر الأصلي، سواء كان سبب التوتر ذلك، مقابلة مهمة للحصول على عمل أو إتمام صفقة، أو التقدم إلى امتحان مهم، أو غيرها من الأمور التي تسبب التوتر ويزداد مع زيادة أهمية نتيجة العمل الذي ننتظره أو زادة فترة الانتظار، العلاقة هنا واضحة، الامتحان لا علاقة له بالطعام أو الشوكولاته، أنما التوتر يحرك المعدة فنشعر بالمضايقة ونحاول أو نغرق ذلك الإحساس أو نخمده من خلال ملئ المعدة أو الحصول على كمية كبيرة من السكريات، ذلك بالضبط ما يحدث فيما يسمى أزمة منتصف العمر.

تلك التصرفات التي تظهر على البعض اكثر من غيرهم في عندما يقاربوا سن الأربعين أو الخمسين، ما درج عند الناس بتسميته أزمة منتصف ما هي إلى محاولة لطمس الشعور بالضيق ومحاولة تغطيته بدل مواجهة تلك المشاعر، قبل المضي في تناول التفاصيل، يجب التنويه أن أزمة منتصف العمر ليست حكرا على الرجال كما يظن البعض، وإن كانت قصص الرجال المرتبطة بهذه المرحلة العمرية هي الأكثر شيوعا، لكن الحقيقة أن كلا من الرجال والنساء يمرون بنفس المرحلة، ولكن تختلف العوارض ويختلف نوع “الشكولاتة” الذي يلجؤون له لطمس شعورهم الداخلي، هذا الشعور ما سبب وجوده وكيف يمكن أن يشكل لنا فرصة في هذه المرحلة العمرية، ذلك هو موضعنا الذي سنبحثه بالتفصيل لاحقا في هذا المقال.

المعروف عن الرجال في هذه المرحلة هو كثرة نزواتهم، فذلك يدخل في علاقة مع فتاة بعمر ابنته، وأخر يشتري سيارة فاخرة لا يستطيع دفع ثمنها، وأخر يسعى للزواج بثانية، إلخ من العوارض التي تجتمع في شيء واحد وهو محاولة الرجل اثبات (لنفسه أولا) أنه لا زال بعز شبابه ولا زال مرغوبا ومقبولا من الجنس الآخر، ولكن ما هي عوارض هذه المرحلة عند النساء؟ تمر أغلب النساء بأزمة منتصف العمر دون أن يلاحظها أحد فنساء مجتمعنا لديهم الكثير من القوالب الاجتماعية التي يستطيعون ممارسة أزمتهم من خلالها دون وقوعهم في “شر” أعمالهم كما هو الحال عند الرجال، فالعوارض التي تظهر على المرأة هو محاولتها للسيطرة على كل من حولها، بدأ بزوجها وأبنائها وبناتها مرورا بأزواجهم وزوجاتهم إلى أحفادها وكل من طالت سيطرتها عليهم، ساعة بحجة الحرص على مصلحتهم وساعة أخرى بحجة عدم حبهم وطاعتهم لها، وغيرها من الأعذار التي تختبئ خلفها المرأة في هذه المرحلة محاولة اثبات للآخرين ولنفسها أنها لا زالت عندها القدرة على العطاء ولم ينتهي دورها.

ولكن ما هو السبب الحقيقي وراء ذلك الشعور الذي يدفع الرجل لمحاولة اثبات أنه لا يزال مقبول، والمرأة أنها عطائها لا زال مرغوبا، هذه المشاعر تشبه ذلك الشعور في المعدة عندما يكون أحدنا متوتر كما ذكرنا سابقا، وهنالك أسباب حقيقية وراءه لا علاقة لها بالزواج من ثانية أو بمحاولة الحماة السيطرة على زوجة ابنها وحياتهم، الأسباب قد ترجع إلى الماضي قريبا أو قد حتى إلى سن الطفولة، هو شعور بعدم الرضى وعدم اكتمال المراحل التي مر بها ذلك الرجل أو تلك المرأة إلى أن وصلوا إلى ذلك السن، عندها يكون الشعور بعدم الرضى عن حياتهم ومراحلها قد تراكم إلى درجة لا تحتمل أحيانا، فتراهم يسعون إلى “الشوكولاتة” لتهدئة ذلك الشعور بدل الوقوف والمواجهة، المشكلة تكمن أن ذلك الشعور ينموا ويكبر في العمق، وقد يكون بعيدا عن التفكير الواعي، بل يكون مختبئا في أعماق الذاكرة ويثير القلاقل دون أن يعي صاحبه ما أصابه وما ضايقه.

لنفهم هذا التحدي دعونا نستعرض المراحل التي يمر بها الانسان عموما، قد تختلف الأعمار من شخص إلى أخر لكن سنأخذ المعدل، في عمر 14 تقريبا يبلغ الطفل فيبدأ سن المراهقة فيبدأ الانفصال عن والديه، ثم في سن 21 تقريبا يدخل في سن الشباب فيبدأ بتكون أرائه حول العالم، بعد ذلك في سن 28 يكون قد حدد مساره المهني وطريقة كسبه للمال والعيش حياة كريمة، ثم في سن 35 قد يبدأ التساؤل عن الوجود والنفس والعالم، بعد سن 40 تبدأ مرحلة النضج الفعلي، ثم في عمر 50 يكون الاستقرار الروحي، بعد ذلك يكون الانسان في قمة العطاء بعد تشكل نفسه واتجاهه وتكون الخبرة عنده، ثم بعد سن 70 أو أكثر يبدأ في التحضير للنهاية، قد يتأخر البعض 10 سنوات أو يبكر ب 10 سنوات لكن لا يغير ذلك هذه المراحل، المشكلة الأساسية تكمن عندما يمر الانسان من مرحلة إلى أخرى ولم يحسم أمره بعد، والأسوأ هو تراكم هذه الإخفاقات من مرحلة إلى أخرى، عندها يزداد الشعور بالضيق وعدم الرضى في أعماق النفس، ويزاد التوتر والحاجة إلى “الشكولاتة”

عندما نأتي إلى الدنيا صغارا نكون أكثر صدقا وشفافية وأقرب ما نكون إلى طبيعتنا الحقيقية، ونتيجة للظروف المحيطة تنشأ لدينا دفاعات نفسية لمحاولة التكيف، والأطفال بارعون جدا في بناء هذه الدفاعات والتكيف مع المحيط، لكن للأسف ينسون مشاعرهم الحقيقية، وتختفي في أعماقهم، وقد لا تطفوا إلى السطح أبدا، كلما ابتعد احدنا عن طبيعته الحقيقية محاولا “التكيف” كلما زاد ذلك الشعور بعدم الرضى عن حياته ويصل إلى ذروته عند منتصف العمر، لنأخذ مثلا طفل طبيعته يحب المغامرة ويحب الخروج وتجربة كل ما هو جديد، لتحميه والدته من الأخطار خارج المنزل، تخيفه لا تخرج فيخطفك “العو” او “أبو رجل مسلوخة” أو “الغول” كل حسب ثقافته، يشعر ذلك الطفل بالرعب كلما فكر في الخروج، يكبر فينسى ما كانت تقوله أمه لكن كلما هم بعمل يتعلق بالخروج والاختلاط بالناس يشعر بنفس الرعب الذي كان يملئ قلبه الصغير، المشكلة أن عقل الإنسان يجد لذلك الشعور آلاف المبررات، قد تكون والدته متوفية ويعيش مع زوجته، ويفتعل معها المشاكل كلما جاءت على ذكر أمر يتعلق بالخروج، كم سيعاني هذا الشخص بسبب هذا الصراع في داخله، تخيلوا لو أنه أدرك سبب خوفه، وخرج من البيت واكتشف أنه لا وجود لتلك المخاوف التي زرعتها والدته في داخله خوفا عليه في مرحلة الطفولة المبكرة.

ولكن كيف لنا أن نعرف ما هي مشاعرنا الحقيقية من تلك المشاعر التي أوجدناها للدفاع عن أنفسنا والبقاء في عالم مليء بالمتغيرات، الحل بسيط ولكن ليس سهلا، يجب أن نكون دائما صادقين مع أنفسنا ولا نقوم بأي عمل لأننا نشعر أنه ضروري إذا علمنا أنه ليس هو العمل الصواب، هنالك جوانب كثيرة قد تؤثر على احدنا فيما يتعلق بالوالدين، مثلا قد تحمل أحلام والدك التي لم يستطع تحقيقها لنفسه دون أن تعي، وهذه ليست أحلامك، لذلك عليك اكتشاف نفسك ومعرفة ما تريده فعلا وليس ما تم زرعه في أعماقك بسبب بيئتك، قد تفتقد للتعاطف مع الاخرين في حال لم تحصل على الحب غير المشروط وهو حب الام، سواء لم تكن موجودة أو لم تقم بدورها، هنالك العشرات من الظواهر المعروفة التي يسببها وجود خلل في مرحلة الطفولة والمراهقة، البحث في أعماق نفسك يساعدك على ايجادها ثم مواجهتها وتصحيح مسارك.

أين نبحث، كيف سيعرف أحدنا أن عنده مخاوف لا مبرر لها أو عنده شعور بالمسؤولية تجاه أحلام والده أو يتصرف بقسوة مع محيطة بسبب نقص دور والدته في حياته، أو التعلق بصفات نعتقد أنها تجعلنا مقبولين مثل التفوق والمثالية، أو غيرها من هذه العوارض، يبدأ الطريق من خلال السماح لأنفسنا أن نعيش المشاعر السلبية ولا نهرب منها، نقرأ مشاعرنا وردود افعالنا، عندما نتعرض لمواقف تثيرنا، نراقب ماذا تحدثنا أنفسنا، لم نسامح شخص ما لأنه فعل كذا، ردة فعلنا مبالغ فيها تجاه الآخرين أذا فعلوا كذا او قالوا كذا، كل تصرف أو ردة فعل أو مشاعر تجده في نفسك مبالغ فيه له أسبابه في العمق، ابحث عنها، ابحث عن تلك الاحداث، ماذا تذكر عن طفولتك ومراهقتك؟ ما هي تلك الاحداث؟ هل هي مفرحة أم مؤلمة؟ لماذا تذكر هذه الاحداث تحديدا؟ وراء هذه الأسئلة تجد الكثير من الإجابات، ماذا لو وجد أحدنا أن هنالك من أذاه في طفولته، وسبب له ردة فعل لا زال يحملها الى يومه هذا؟ الحل هو أن نتعلم كيف نسامح.

مسامحة الآخرين ليست فقط ضرورية للتحرر، بل ستساعدك على اكتشاف نفسك ومعرفة طبيعتك الحقيقية، كيف نسامح هؤلاء خصوصا من أخطأوا في الماضي، وقد يكونوا لا زالوا أحياء أو رحلوا، هنالك مراحل قد تطول أو تقصر لكن يجب المرور بها واحدة تلو الأخرى وعدم محاولة القفز بالقول أنا مسامح ولم تتمثل المسامحة وتعيشها فعلا، الخطوة الأولى هي الإقرار بالألم، ثم إدراك المشاعر التي نحملها تجاه أنفسنا والشخص المسيء، بعد ذلك اختبار النوايا وردود الأفعال التي نرغب بها تجاه ذلك الشخص، ثم نختبر ما وراء ردود الأفعال تلك، لماذا اخترت ردة الفعل تلك دون غيرها ما هي الرسالة المبطنة عنك وعن ذلك الشخص التي يحاول عقلك ايصالها لك، بعد ذلك نعمل على فك الارتباط بتلك الاحداث والمشاعر، نترك ذلك الشخص وتلك الاحداث تمر بسلام ولا نقاوم ولا نحاول الاحتفاظ بهذه المشاعر بحجة حماية أنفسنا من الوقوع بمثل هذه الاحداث، بل نحمي أنفسنا بالوعي وليس بالاحتفاظ بالألم، بعد ذلك نسامح ونتركهم ليذهبوا بسلام ثم نسامح أنفسنا، مقابل أي شعور تحتفظ به ضد شخص ما هنالك جانب لم تسامح نفسك عليه، تخلص من الشعور بالتأنيب والذنب، أنت لم تكن السبب في حصول هذه الاحداث المؤلمة لك.

بعد التخلص من آلام الماضي وتحطيم الدفاعات النفسية التي تحجب طبيعتك الحقيقية من الظهور وتمنعك من الاستمتاع بالحياة والعيش كما تريد، تبدأ رحلتك في اكتشاف رسالتك، ماذا تريد من الحياة وماذا ستقدم في حياتك لتحقق ذاتك، ليس هنالك طريق مختصر، لكن عليك أولا تحديد قيمك، ثم بعد ذلك تدرك ماذا تحب عمله، ثم تطور نفسك وتتعلم في المجال الذي تحبه، إلى أن تتقنه، بعد ذلك تكون قد اكتشفت شغفك، وعندما توظف شغفك في خدمة الآخرين تكون قد وجدت رسالتك، فإذا بلورت ذلك على شكل مهنة تقدم فيها شغفك للعالم فإنك في طريقك لتحقيق ذاتك وغايتك في الحياة، هؤلاء الأشخاص لن يشعروا بالألم الذي يتسبب لكثيرين بأزمات منتصف العمر، بل هم راضون عن أنفسهم وعن حياتهم، ينظرون إلى العالم بعين تملؤاها الغبطة والحب.

الخلاصة أن المشاعر التي تؤدي إلى أزمات منتصف العمر هي أجراس انذار تدل على ضرورة مراجعة النفس وإصلاح اضرار لحقت بنا مع الزمن ابعدتنا عن مسارنا الأصلي، عندما نعمل على اكتشاف أسباب هذه المشاعر ونعالجها، نكتشف أنفسنا، ونعود إلى طبيعتنا الحقيقية مما يجعلنا أقرب إلى اكتشاف رسالتنا ويمكننا من تحقيق ذاتنا والوصول إلى غايتنا في الحياة، هذه الفرصة للحصول على السعادة الحقيقية قبل فوات الأوان، هي فرصة منتصف العمر.



أحصل على ١٠٠ نقطة عن كل صديق يسجل بإستخدام الرابط التالي
https://abbrak.com/?mref=


نبذة عن الكاتب: Amer malas سفير
اقدر السلام والحرية والإبداع، غايتي في الحياة هو صناعة قيمة مضافة لتحسين حياة الناس.
الرابط المصغر لهذا المقال: https://abbrak.com/sebinv

اترك تعليقاً