شبكة أبرك للسلام

مادية التنوير

لماذا لا يصل الباحث عن الوعي بسهولة إلى ما يريد في الحياة؟ لماذا يطبق بعضنا كثيراً من تمارين تنمية الذات لكنها لا تعمل؟ ماذا عما يطرح حالياً في مجال التنوير والوعي، هل فعلاً يجيب عن معظم أسئلتنا؟ إذا كانت هذه الأسئلة تهمك، فهذا المقال يعنيك بالدرجة الأولى.
أناقش في هذا المقال أسباب صعوبة تحقيق الأهداف التي يسعى لها السائر في طريق التنوير والوعي، وكفاءة الطرح الموجود حالياً في هذا المجال للإجابة عن أسئلة السائرين في طريق الوعي، ونبذة عن تاريخ ما يطرح اليوم في برامج التنمية الذاتية المختلفة.

بدءاً، لا بدا أن نتفق على مسألة جوهرية، بعد الاتفاق عليها يمكنني أن أشاركك إجاباتي حول الأسئلة المذكورة في الأعلى، ويمكن لك أن تستقبلها وتدركها. علوم التنوير والوعي هي علوم روحانية بالدرجة الأولى، ماذا يعني ذلك؟ هذه العلوم هي علوم تدور حول نقاء روح وصفاء سريرة الإنسان. أهدافها روحية سامية، وآثارها روحية ونفسية وأحيانا تكون مادية.
تجد بعضاً ممن يطبقون التمارين والقوانين المنتشرة يعانون من عدم تحقيق النتائج التي يريدونها؟ وحين يسأل المتدرب معلمه عن سبب فشله في تحقيق ما يريد، يجيبه بأنه لم يطبق التمرين بشكل صحيح، أو بأنه متعلق بأهدافه أو بدعوته لدورة تدريبية أخرى يعلمه فيها طريقا أقصر للوصول إلى ما يريد. وإن كان جاداً في سعيه فسيصل بعد سنوات من المحاولات إلى ما يريد. أما إن استسلم، ففي الغالب سيترك هذا الطريق ويصبح من أعداءه الذين يكيلون التهم على سالكيه بأنهم يعيشون أوهاماً. ودعني أفاجئك بأن هذه التهم فيها جانب كبير من الصحة، وسأجيبك لماذا، لكن بعد عدة أسطر.

قبل أن أجيبك، دعني آخذك قليلاً في جولة تاريخية، ماذا أفعل، أنا من عشاق التاريخ!
علوم الوعي والتنوير التي نتداولها اليوم، هي في غالبها علوم شرقية. تعود أصولها إلى أرض الحكمة (الهند)، أو الصين، أو إلى الثقافة الإسلامية الصوفية، أو ما شابه. كانت هذه العلوم تدرس وتمارس في معابد وخلوات وتجمعات خاصة بسالكي طريق التنوير والعرفان والوعي، كل بحسب طريقته وممارساته الخاصة التي لا يُسمح بتعليمها إلا للمريد الصادق الذي أظهر جديته. وكان المريد يدفع مقابل اكتساب هذه العلوم سنين من عمره يقضيها في خدمة المعبد أو الشيخ أو المعلم. كما كان المريد يعاني الأمرين في رحلته إلى التنوير، فما بين نذور الصمت، والصيام، والسهر، والعزلة، إلى العمل الدؤوب الذي ينهك البدن ويكسر النفس. وكما ذكرت في مقال سابق، فإن غالب هذه العلوم والممارسات هي علوم وممارسات دينية في أساسها، فتجد المريد، يعيش حياته ملتزماً بمنهج ديني وأخلاقي ثابت يفرضه عليه معلمه أو شيخه ولا يحيد عنه. وبعد سنوات من السير في هذه الرحلة المضنية، يبدأ معلمه أو شيخه بمشاركته مفاتيح هذه العلوم شيئا فشيئا، ليمضي في اكتشاف أسرارها بنفسه حتى يصبح عارفاً أو مستنيراً.
في العصر الحديث، وبعدما أتصل الغرب بالشرق، تم نقل كثير من العلوم الشرقية إلى الغرب. ولكن تم نقلها بحسب طلب العميل. ماذا يعني ذلك؟ العالم الغربي الحديث عانى سابقاً معاناة شديدة مع الفكر الديني. لذلك لم يعد المفكر الغربي يطيق سماع أية فكرة تحمل في طياتها معاني إلهية، أو دينية، أو تتحدث عن الموت وما بعده. وبما أن الثقافة الغربية اليوم هي ثقافة رأسمالية. فقد تم نقل العلوم الشرقية التنويرية بعد أن نُقيت من الأفكار الدينية، مثلاً: تم استبدال الآلهة بالكون، وتم استبدال الشياطين بالطاقة السلبية، وتم استبدال الملائكة بالطاقة الإيجابية، وهلم جرا. كما تم إعادة انتاجها تحت مظلة مادية بحتة، واقتصر الترويج لهذه العلوم على أنها علوم تعين الإنسان على عيش حياة طيبة، وعلى تحقيق الأهداف المادية الاستهلاكية.
أتينا نحن بعد ذلك وأخذنا هذا العلوم التنويرية (الشرقية) بعدما تم تدويرها في الغرب. ولم نقم للأسف بأخذها من أصلها في الشرق لنستطيع فهمها كما وضعت ولنتمكن من وقولبتها وفق ما يناسبنا نحن.

أعود الآن لأجيبك عن سؤال لماذا أعتقد أن الكثير من السالكين في طريق التنوير لدينا يعيشون في وهم. أعتقد بأنهم يعيشون في وهم، لأنهم يمارسون هذه العلوم التنويرية بشكل يتناقض مع ما وضعت من أجله هذه العلوم في الأساس. هذه العلوم وضعت لأهداف روحانية، يصل بها الإنسان إلى روحه، ويسلك في طريقه من خلالها إلى خالق هذا الكون ليتعرف عليه ويتقرب منه ويعيش به وله.
حسناً، أين المشكلة؟ المشكلة تقع في ممارسة هذه العلوم من أجل أهداف مادية بحتة، مثلاً، تجد من يمارس بعض التأملات لكي يحصل على مزيد من المال – وهذا ليس شيئا سيئاً-، أو من تمارس تمارين روحية من أجل أن تتزوج. ومن الملحوظ أن كل هذه أهداف مادية فقط يسعى لها من يزعم أنه سائر في طريق التنوير والوعي.
ثقافة اليوم، هي ثقافة رأسمالية. النجاح يترجم بأشياء مادية ملموسة، مال، سيارات، زواج، بيت .. إلخ. لذلك قد تم إعادة انتاج أغلب المواد المتعلقة بالوعي والتنوير إلى مواد تقاس نتائجها بمقاييس مادية. وهنا يقع التناقض، ففي حين أن هذه العلوم هي في أصلها علوم تدور في فلك الروح أولاً والنفس ثانياً والجسد ثالثاً والمادة أخيراً، نجد أنه قد تم مسخها إلى علوم تدور في فلك المادة أولاً، والجسد ثانياً والنفس ثالثاً والروح أخيراً ولكن على استحياء ودون عمق.
لذلك، تجد الكثير لا ينجح في تحقيق ما يريد في طريق الوعي والتنوير، لأن العربة لا يمكن أن تسير أمام الفرس! . هذه العلوم الروحانية والممارسات لا تأتي أكلها إذا كانت متعلقة بأهداف مادية بشكل مباشر. والتنوير الحقيقي لا يأتي إلا بالسعي وراء الأهداف الروحية أولاً، وخلال هذا السعي ستتجلى الأهداف المادية بشكل أو بآخر، وليس العكس، كما تروج له بعض المدارس للأسف.

قرأت مرة لإحدى المدربات رداً تجيب فيه عن سؤال، تقول: (اللي يشتغل ويجيب نتيجة هو الصح) أو فيما معنى الكلام. لا أخفيك أني فوجئت بهذا الرد، لأن هذا العبارة ببساطة هي ملخص الفلسفة البراغماتية. والبراغماتية عزيزي القارئ هي مدرسة فلسفية سياسية تعتبر نجاح العمل هو المعيار الوحيد للحقيقة -بحسب تعريف موسوعة ويكبيديا-. حسناً، وما الضير في ذلك؟ الذي يضير هنا، هو أن الفلسفة البرغماتية هي الأساس الفكري التي تقوم عليه الثقافة الرأسمالية المادية التي نعيشها اليوم، فأين هي الروحانية في مثل هذا النوع من الردود؟!

ماذا عن الأسئلة الوجودية، التي تؤرق البشرية اليوم، الأسئلة التي تدور حول معنى الحياة، وأسرار الخلق، وماذا بعد الموت، إلخ. في الغالب لن تجد لها ذكر في المواد التي تروج اليوم في مجال الوعي والتنوير، لماذا؟ لأنه كما ذكرت سلفاً أن القارئ الغربي يتحسس من المواد التي فيها ذكر للإله و للآخرة والحساب إلخ، كما أن الهدف من إعداد هذه المواد هو هدف مادي بحت، فما جدوى التعرض لهذه المسائل أصلاً.
ماذا عما يقدمه السائر في الطريق من خدمة وعمل في المدارس الشرقية التي تحدثت عنها، وماذا عن التحرر من الجسد وماذا عن كسر النفس. نجد أن السائر هنا فقد أهم ما تحمله هذه العلوم من تعليم المريد كيف يصبح سيداً على جسده ونفسه. ففي عصر عبادة الجسد تم استبدال كل ذلك بالمقابل المادي الذي يقدمه السائر للمعلم والمدرب ويكتفى منه بذلك، وهذا لا بأس فيه، لكن المشكلة تكمن في اقتصار البذل في هذه الزاوية فقط. وقد انتشرت في النصف الثاني من القرن المنصرم ظاهرة سفر الغربيين إلى الهند لتعلم هذه العلوم، وكان المعلمون يستغلونهم مادياً دون أن يقدموا لهم علماً حقيقياً، لأن معظمهم لم يكن باحثاً حقيقياً، بل أتى هارباً من تحديات الحياة الرأسمالية في بلده.
كما انتشرت ظاهرة الوعي المعلب، أي المعلومات الجاهزة، دورة يمكن أن تغير حياتك، محاضرة يمكن أن تحقق أهدافك. كل شيء سريع، سريع جداً كما يتطلب هذا العصر. فلم يعد المريد يتخلى عن كل شيء من أجل الطريق كما في السابق، بل أصبح مريدا (Part time)، ولم يعد يريد حتى أن يقضي جزءاً من وقته في القراءة، بل يتوقع من هذه الدورات والمنتجات أن تكون كبسولات سريعة المفعول في نقله على سلم هاوكنز ليصبح قادراً على جمع قدر أكبر من المال!

سؤال آخر، هل ما يطرح اليوم كاف للسائر في طريق التنوير والوعي؟ أعتقد أنه غير كافي، لماذا؟ لأن هنالك العديد من الأسئلة الوجودية التي لا يمكن للإنسان أن يعيش حياة طيبة دون الإجابة عنها. (هذه الإجابات في الغالب تقف على أسس دينية، فما مدى حاجتنا للتدين؟ سؤال أجيب عنه في مقالات قادمة بإذن الله)

أخلص في نهاية هذا المقال إلى أن طريق التنوير والعرفان والوعي، هو طريق روحي في الأساس، لذلك إذا كانت أهدافك مادية فقط، فمن الأجدى لك أن تبقي مالك في جيبك، لأنك لن تصل إلى شيء من خلال هذه العلوم.



أحصل على ١٠٠ نقطة عن كل صديق يسجل بإستخدام الرابط التالي
https://abbrak.com/?mref=


إقرأ مقالات ذات علاقة

نبذة عن الكاتب: Rami Abdullah

رحال، شاعر وكاتب، صدر لي كتاب (مواضع) عن دار تشكيل ، مؤسس قناة حياتك هنا على تلغرام، مستشار إداري، ريادي أعمال.

الرابط المصغر لهذا المقال: https://abbrak.com/kqybzb

اترك تعليقاً