الإيجو والكلوليسترول

منذ الصغر ونحن نسمع عبارة “خالي من الكوليسترول”، وهي تتردد في كل مكان حتى أصبحت جزء من الحملات الدعائية لكثير من المنتجات مثل الزيوت المهدرجة وبعض أنواع الأطعمة، على اعتبار أن الكوليسترول مضر بالصحة ويسبب تصلب الشرايين والجلطات لا سمح الله

كنت أتساءل لماذا وجد الكوليسترول في كثير من الأطعمة التي نتناولها يوميا مثل اللحوم والبيض والسمن الحيواني وغيرها من الأطعمة الطبيعية، فإذا كان مضر بالصحة إلى هذه الدرجة لما هو موجود في طعامنا! عرفت لاحقا أن الكوليسترول ضروري جدا لاستمرار حياة الإنسان، فعندما يقوم جسم الإنسان بترميم نفسه يدخل الكوليسترول كمكون لا بديل عنه لبناء جدار الخلية، فبدونه يهرم الإنسان بسرعة مخيفة ويفقد رونقه، وكذلك كثرته في الجسم تسبب تصلب الشرايين مع مرور الوقت، فهذه المادة ليست ضارة بحد ذاتها وإنما هنالك سبب لوجودها لا غنى عنه، وبينما كثرة النوع السيء هو ما يسبب الهلاك للإنسان.

الحال في الكوليسترول في مجال الصحة هو تماما كحال الإيجو في مجال الاجتماع وهو موضوعنا، يتردد في أروقة الوعي والتنوير عبارات مطلقة مثل “عليك بالتخلي عن الإيجو”، لكي ينفتح لك عالم التنوير وترتقي بالوعي، وهذه العبارات ليست خاطئة كما هو الحال في موضوع الكوليسترول، فالكثير من الإيجو يتسبب للأنسان بالفشل في مختلف المجالات العاطفية والاجتماعية والمهنية.

لكن السؤال لماذا هذا الإيجو موجود وهل هو ضار في كل الأحوال، الإيجو باختصار هو تفكير الإنسان بنفسه بمعزل عن الأخرين، فالأنانية صورة من صور الإيجو, والغرور كذلك، والإيجو يزيد عند الإنسان الشك ويقلل من ثقته بالأخرين، ويزيد عنده التردد عند المضي في تحقيق الأهداف أو في العلاقات مع الأخرين فيسبب الريبة والشك ويعرقل المسير، ولأن الإيجو يسلط الأضواء على النفس فقط ويعزلها عن العالم فيجعل عيوب الإنسان سبب للضيق ويضعف ثقته بنفسه وبإمكانياته، وكذلك يسبب الإيجو الخوف للإنسان، فهو عكس التوكل لأن الإنسان يظن أن عليه أن ينجز كل ما يحتاجه بنفسه ويحمي نفسه بنفسه، وهذا يجعله خائفا ضعيفا، كذلك الإيجو يزيد وهم الإنسان بعامل الوقت والزمن فيصبح حبيس ذكريات الماضي والخوف من المستقبل.

بعد كل هذا هل يعقل أن الإيجو مفيد، الجواب الإيجو موجود فينا لسبب أساسي وهو غريزة البقاء، فهو ضروري في الأوقات التي نتعرض فيها للمغريات حين نحتاج للتحكم بأنفسنا وعدم التعرض للخديعة والانزلاق ،أو عندما نتعرض فيها لخطر يهدد وجودنا وكياننا الفردي أو يهدد رغباتنا وأهدافنا، هو يعمل تماما مثل كوابح السيارة، تحتاجها للتحكم في سرعة السيارة عند نزول المنحدرات وكذلك لتفادي عائق أو خطر غير متوقع، مثلا عندما نذهب إلى السوق لشراء ساعة يد مثلا أو جوال جديد، سيحاول البائع لاستمالتنا لبضاعته ويقنعنا أن هذه البضاعة هي تماما ما نحتاجه لأنها ستلبي جميع رغباتنا وتساعدنا على التغلب على مخاوفنا، عندها يجب أن يكون الإيجو متيقظا لحماية مصالحنا وهي في هذه الحالة الميزانية المتواضعة التي رصدناها لشراء هذا الغرض، ونفكر بعيدا عن المشاعر التي يحاول البائع تحريكها فينا ليقنعنا بالتهور وشراء ساعة ربما تفوق ميزانيتنا بعدة أضعاف.

في العلاقات الإنسانية نحن دوما في حالة شراء أو بيع، ولكن لا نشعر بذلك، عندما يأتي الطفل الصغير لوالديه ومعه ورقة من المدرسة ليوافقوا على ذهابه إلى الرحلة المدرسية ويعطوه النقود اللازمة لتلك الرحلة في هذه الحالة هو يبيعهم هذه الفكرة وهم يشتروها، فالطفل يعرف ما يهم والديه، فيقول لهم سأتعلم في هذه الرحلة أمور مفيدة حيث سنذهب إلى المتحف العلمي ونزور حديقة الحيوانات… هو بذلك يركز على رغباتهم واهدافهم ويجعل ما يريده سبيلا لتحقيقها وبذلك يدفعهم للموافقة، بينما إذا اختل الميزان وأعمل الطفل الإيجو هنا سيركز على رغباته، اريد أن أذهب لكي ألعب مع أصحابي، فلان وفلان سيذهبون وهم ليسوا أفضل مني… في هذه الحالة سيكون سبب الموافقة هو ابتزاز مشاعر الوالدين ودون رغبة منهم، الفرق بين الحالتين أن تعامل الطفل دون الإيجو سيؤدي إلى حصوله على رغباته من خلال تلبية رغبات والديه وهذا العمل بناء، بينما الحالة الثانية يكون من خلال ابتزازهم وأخذ رغباته مع التسبب بالضيق لهم، مع ملاحظة أن الوالدين في هذه الحالة يجب أن يستعملوا الايجو لحماية أنفسهم وحماية طفلهم في حال كانت الرحلة غير مناسبة فعليهم أن يرفضوا بالرغم من حلاوة لسان طفلهم أو على النقيض استفزازه لهم.

تجد المتحدثون عن السعادة والنجاح دائما ينصحون الناس بالتخلي عن الإيجو، وذلك لإن في أغلب التعاملات نحن نبيع ولا نشتري، فالشاب الذي يبحث عن وظيفه هو يحاول بيع خدماته ومهاراته، والوالد الذي يريد أن تحبه أسرته هو يبيع حمايتهم ورعايتهم ويحصل منهم على حبهم، والصديق الذي يريد أن يكّون صداقات قوية يهتم بمصالح أصدقائه ويحرص عليها وبذلك يحصل على ولاء أصدقائه وحبهم، والقائمة تطول، لا يخبرنا هؤلاء المدربون أن علينا أن نحتفظ بقدر ولو قليل من الإيجو، ومتى يجب استخدامه ظنا منهم أن هذه فطره لأن الإيجو من غرائز البقاء وافتراضهم أن الإنسان بطبعه أناني.

الواقع أننا عشنا سنين طويلة ونحن نستخدم الإيجو في غير محله فأثّر على علاقاتنا وسعادتنا ونجاحاتنا المهنية، من المهم جدا التخلص من الإيجو الزائد الذي لا يكون في محله، وكذلك من المهم ألا ننسى وجودنا وتميزنا وتفردنا، وأن نعي بشكل واضح في الحالات التي نكون فيها في موقع المشتري ما هي مصالحنا الحقيقية، هل هي ما يسوقه لنا الطرف البائع لتحقيق مصلحتنا حقا، أم أنه يسوق لنا ما يخدمه دون النظر إلى مصالحنا الحقيقية.

  • هل إستفدت من هذا المقال؟
  • نعم   لا
نبذة عن الكاتب: Amer malas

اقدر السلام والحرية والإبداء، غايتي في الحياة هو صناعة قيمة مضافة لتحسين حياة الناس.

ما رأيك في الموضوع؟

شارك الطاهرة قلوبهم

هيا شاركنا وإنضم إلى أكبر شبكة وعي في الوطن العربي لتلتقي بأصدقاء تسعد الروح بوجودهم.

التعليق والحوار

لا تعليقات حتى الآن
الرابط المصغر لهذا المقال: https://abbrak.com/9HhEb