ثقافة باب الحارة

“بغضب عليكي ليوم الدين إذا ما رحتي معي” هذا ما قاله أبو النار لابنته في بيت زوجها عصام عندما عرف أن أبو عصام تزوج جاسوسة، وعندما عاد عصام سأل عن زوجته وقيل له ما كان فتقبل الموضوع، وكذلك بشير معلم الفرن أمه تريد أن تقهر سعاد فتغضب على ابنها إن لم يتزوج على ابنتها، هكذا كانوا يعتقدون أن الأبناء عليهم طاعة الآباء طوال حياتهم وإذا غضب أحدهم على ابنه او ابنته فيكون بذلك أرسلهم إلى جهنم وبئس المصير، ولا يزال إلى يومنا هذا يخلط البعض بين الطاعة والبر والإحسان، فإذا ذكر أمر له علاقة بالأم والأب سارعوا بتلاوة بعض الآيات دون فهم معنى تلك الآيات، وكذلك ساهم القائمون على الدين من دعاة وعلماء بتشويه المطلوب شرعا من الأبناء تجاه آبائهم، ولا نستغرب ذلك بسبب تضارب المصالح فهؤلاء هم آباء ومن مصلحتهم أن يأسسوا في الدين ما يضمن انصياع أبنائهم لهم، وإذا خالفوهم سلطوا عليهم نار جهنم بسبب عدم رضاهم.

لكن هل الله سبحانه وتعالى أمر الأبناء بطاعة الآباء؟ هل هذه الطاعة دائمة وفي كل الأحوال؟ هل فقط الأبناء يطيعون الآباء ماذا عن العكس هل على الآباء أن يطيعوا الأبناء؟ لا تستغربوا ذلك بل إن أشهر الآيات التي تحث الأبناء على حسن معاملة آبائهم هي في سياق العطف عليهم عندما يكون الآباء في طاعة أبنائهم وهي الآية التالية

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: 23-24).

كلما تحدث أحدهم عن وقف تسلط الآباء على أبنائهم وعدم تدخلهم في حرياتهم تلى علينا المعارضون هذه الآية، لكن ماذا تأمرنا هذه الآية؟ الاحسان للآباء وإذا بلغوا الكبر وأصبحوا في رعاية أبنائهم عليهم الاستمرار بالإحسان لهم، وإذا خالف الآباء نظام العائلة التي بات الأبناء من يقودها على الأبناء أن يتلطفوا في التعامل مع مخالفة الآباء فلا يتأففوا من مخالفتهم ولا ينهروهم، بل توجيهم بالقول الحسن واللين، لا تستغربوا ذلك فعندما يصبح الأبن هو رب الأسرة فأنه يدخل في نطاق ولي الأمر الذي على كل من هم في المنزل طاعته. فإذا كان أحد الابوين طاعن في السن ويعيش في منزل ابنه او ابنته فعليه طاعة نظام الاسرة.

ولكي نحيط بالموضوع من جوانبه فإن هاتين الآيتين تتعلقان في  ذات الموضوع مع العلم أن نفس الفكرة تكررت في آيات أخرى

﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا﴾ (النساء: 36).

﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ* وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: 14-15).

كذلك الآيات تؤكد على معنى الاحسان وحسن تعامل الأبناء مع آبائهم، وأن يكون شاكرا لهم، لكن الآية توضح معنى مهم إذا حاول الآباء التعدي على حرية الأبناء أو معتقداتهم الدينية، فعلى الأبناء أن يتركوهم ومع ذلك يعاملوهم بالمعروف، قول الله سبحانه فلا تطعهما في حالة أمرا بالشرك لا يستوجب باي طريقة طاعتهم في حال أمرا بما هو دون الشرك، إنما ما تركز عليه الآية هو معاملتهم بالمعروف مع عدم طاعتهم إن حاولوا التعدي على حرية الأبناء التي كفلها الإسلام

( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم(البقرة : 256 )

ما هو معنى الطاعة، هي أن يسلم الإنسان نفسه وعمله وتفكيره لغيره دون تفكير ولا اعتراض، فمن أمرنا الله بطاعته؟ لم يأمر الله سبحانه وتعالى في مجمل القرآن بالطاعة إلا لله ولرسوله باستثناء هذه الآية.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59).

طاعة الله ورسوله تكون في الأمور الشرعية أما أولي الأمر فطاعتهم في الأمور التنظيمية، فالإنسان مأمور باتباع أوامر الله والرسول مبلغ الرسالة في جميع نواحي حياته لكي يرتقي بنفسه ويعيش حياة سعيدة وناجحة باتباعه قوانين الله الذي خلق الإنسان والكون، وكذلك يأمرنا الله تعالى أن نطيع كل من كان في مكان القيادة في النظم الاجتماعية والسياسية وذلك بلما لا يتعارض مع أوامر الله سبحانه وتعالى وضمن اطار احترام حرية الفرد الفكرية والدينية، الأبناء دون سن الرشد يجب عليهم طاعة والدهم في البيت كونه رب الأسرة وعليهم اتباعه، والطلاب في الصف عليهم طاعة الأستاذ لأنه يدير الحصة، والموظفون عليهم طاعة المدير وهكذا، فإذا رجعنا لموضوع الآباء كبار السن الذين يعشون مع أبنائهم أي أن الأب الكبير في السن يعيش في النظام الأسري لأبنه وبالتالي يصبح على ذلك الأب طاعة ابنه كون الابن هو الأن رب الأسرة وولي أمرها.

طاعة الأبناء لآبائهم واجبة وهم دون سن الرشد وخلال خلال نشأتهم في بيوت آبائهم، لكن بمجرد استقلالهم ماديا وانتقالهم لإنشاء أسرهم الخاصة تصبح العلاقة هي الاحسان والمودة والشكر والامتنان، ويصبح واجب الأبناء حينا رعاية أسرهم التي أصبحوا مسؤولون عن رعيتها فلا يسمحو لآبائهم بظلم أفراد أسرهم او التدخل فيها بما يخالف مصالح الأسرة ولا يسبب الضرر لأفرادها.

  • هل إستفدت من هذا المقال؟
  • نعم   لا
نبذة عن الكاتب: Amer malas

اقدر السلام والحرية والإبداء، غايتي في الحياة هو صناعة قيمة مضافة لتحسين حياة الناس.

ما رأيك في الموضوع؟

شارك الطاهرة قلوبهم

هيا شاركنا وإنضم إلى أكبر شبكة وعي في الوطن العربي لتلتقي بأصدقاء تسعد الروح بوجودهم.

التعليق والحوار

لا تعليقات حتى الآن
الرابط المصغر لهذا المقال: https://abbrak.com/WwO7f